نظرية وكيل المدرسة.
10 مايو 2009في المرحلتين التعليميتين المتوسطة والثانوية، درستُ في مدرستين من مدارس حي العريجاء في الجزء الغربي من مدينة الرياض، أو “الدخل المحدود” كما اتفق الفقراء على تسمية تلك الجهة القحة من العاصمة. في كلتا المرحلتين كان لوكيل المدرسة هيبته وسطوته على الطلاب أكثر حتّى من المدير. الوكيل كان كالأسد في غابته، مملكته. المدراء عادة ينشغلون بالمدرسين والمدرسة، ويبقى الوكلاء هاجسًا للطلاب.
وكيل مدرستنا المتوسطة استطاع بجدارة المُتمكّن أن يلعب دور المُحقق المتخفّي، حيث يتشكل ويظهر فجأةً بهيئات وطرق عديدة متجسساً على الطلاب وشغبهم. كان له عملاء مُتخفّون وعملاء آخرون يظهرون على العلن تحت اسم “جماعة النظام”. الأمر بالنسبة لنا كانَ مريبًا، وجودنا في المدرسة كان مصحوباً دائماً بوجود الرهبة حتى من مُجرد الكلام. وبالنسبة له -في الطرف الآخر من الصورة- كان الأمر هوايةً ممتعة اعتادَ ممارستها منذ سنوات، شعورًا بالسيطرة لا شيء يشبهه. كثيراً ما يغادر مكتبه بطريقة غير ملحوظة خلال الفسحة متلثماً بدون عقال، يسير كطالبٍ بليدٍ اجتماعياً لا يجيد فنّ تكوين العلاقات والأصدقاء، يتسلل إلى الزوايا المنزوية، يتمشى بأروقةِ المدرسة التي هي في الأساس عبارة عن أربعة بيوت مستأجرة وحوش متصلين ببعضهم البعض مشكلين مدرستنا المتوسطة بأحواشها ودهاليزها، وقبل نهاية الفسحة يعود الوكيل إلى مكتبه جارّاً خلفهُ ثلاثة أو أربعة طلاب قام بالقبض عليهم متلبسين بتهمة التدخين أو الشتم، أو حرب المطاطات أو حتى لعب “البلوت”. ولا أحد يستغرب إذا ما شُوهد هؤلاء الطلاب معاقبين بالوقوف أمام مكتب الوكيل ليومين أو ثلاثة أيام دراسيّة بعد جلدهم طبعاً أمام الجميع خلال الطابور الصباحي.
الوكيل يعاقب بقوة، وكيل مدرستنا المتوسطة أو الثانوية، أو أي مدرسةٍ ما. الوكيل يضربُ باللي الأحمر ويمارس سطوته وخططه التعسفيّة بلا قلق، لأنه يعلم أنّ جميع تصرفاته وأفعاله مبرره داخل المدرسة، طالما أن أخبار سطوَتهِ وسوطهِ مقبولةً في محيط مجتمعهِ ولا يتجاوز صداها أسوار مدرسته.
في السنة الرابعة من دراستي للمرحلة الثانوية، أقول الرابعة ولم أخطئ بالعدّ، لأني أعدتُ دراسة الصف الثالث ثانوي بحجة رفع المعدل -لم تكن حجة فاعلة على أيّ حال، حيث خرجت بمعدل 80% لكنه لم يمكني من دخول الجامعة إلا بعد سنتين من الطوابير على أبواب جامعاتنا- المهم، كنتُ أملك دفتر وجه و وجه أبو 200 صفحة، بدأتُ بمرافقتهِ مع أول يومٍ لي في الثانوية، أقول “كنتُ أملك” وأنا أعني ذلك جيدًا، لأن ملكيتي لذلك الدفتر الكشكول انتهت، فقد تمت مصادرته قبل نهاية السنة الأخيرة لي في الثانوية. كان دفتراً مليئاً بالرسومات، الكتابات، الأفكار، القصائد المترهلة، ويوميات مراهقٍ فضولي يكره الحدود، مراهق يحاول النجاة والخروج من “الدخل المحدود” ليرى العالم. أذكر ذلك اليوم جيدًا، كانت حصة جيولوجيا، وكان المدرس غائباً. مقعدي بجوار الباب، فبيني وبين الأبواب والنوافذ علاقة حميمة. ويبدو أن هذه العلاقة لم تكن في صالحي حينها. كنتُ أرسم صورة “ديانا حدّاد” الرفيقة الفانتازيّة لي كعاشق سعودي مجهول، لأكمل بذلك قصص العشاق السعوديين المجهولين خلال مسيرة الفنّ والميديا العربية، بدءًا بآبائنا وعشقهم لسميرة توفيق، وانتهاءً بنا وعشق مشهورات جيلنا من ديانا حدّاد و نجوى كرم وهيفاء التي “ما إلك إلاّ” هي. أعود إلى بداية هذه الجملة وأقول: كنتُ أرسم وجه ديانا حدّاد حينما امتدت يدٌ من أمامي قادمة من خارج باب الفصل، والتقطتْ الدفتر بهمجية. سرعان ما اتضحت قامته القصيرة ولحيته السوداء الكثيفة والمهذبة كخصلةِ شعر رجل شرق آسيوي، أذكرهُ جيداً، كان مُدرّس الكيمياء الذي جاء بديلاً عن المدرس الغائب، نظرَ إليّ وهو يقلب صفحات الدفتر بين يديه باستخفافٍ، يهزّ رأسه يمنةً ويسرة، مستغفرًا بصوتهِ المذهول الخارج من أقصى زاويةٍ في حلقه. اختفى لخمس دقائق وعاد طالباً مني أن أذهب إلى مكتب الوكيل. أذكر جيدًا الحديث الذي جرى بيني وبين الوكيل، السخرية والتهديد والإهانة التي تلقيتها، لم ينظر إليّ وهو يأمرُ ويهدد، كان يجلس على كرسيهِ بشكلٍ جانبي، متكئًا بكوعهِ الأيمن على مكتبه العريض، كان يتحدث وكنت أنظر إلى أنفه الطويل، بالفعل كان أنفًا طويلاً لا يمكن تجاهله، إن الحديث مع وكيلٍ بأنفٍ طويل صعب جدًا، فبالإضافةِ إلى صعوبة التجادل وربح الحوار مع أي وكيل، فإنك لا تستطيع حتى أن تركزّ على ما يقوله إذا كان يحمل كائناً طويلاًبارزًا من وجههِ بشكلٍ مشتت للانتباه. أتذكر جيداً وقوفي من الحصة الثانية إلى نهاية اليوم الدراسي أمام باب الوكيل أكبتُ العار وفقدي للدفتر، أقف معاقباً بتهمة الكتابة، بتهمة الرسم، بتهمة التعبير.
الوكيل يجيد فن تكميم الأفواه، السيطرة على أي طالب يقوده حضه التعيس إلى مكتبه تحت أي تهمة. الوكيل يربح جميع الصفقات مع الطلاب. الحق دائماً معه لأنه يعرف كيف يحافظ على مجرى القضايا لتنتهي دائماً تحت يديهِ كقاضٍ وإن كان هو ذاته الخصم، القضايا مع الوكيل دائماً لا تتجاوز مكتبه ولا تخرج خارج أسوار مدرسته.
ربما لم يعد الأمر في مدارسنا الآن كما كان عليه قبل عشر سنوات، وربما لا يزال الأمر كما كان، ربما تطوّرت إمكانيات الوكيل، في الحقيقة أن هذا لا يهمني. ما يهم الإشارة إليه الآن، هو أن طريقة تعامل الوكيل لا تنجح سوى في إطار مدارس منزوية في الأحياء القصية والقرى والهجر. ومما نقرأ ونسمع ونرى من أخبار قادمة من السعودية نعيد اكتشاف الحقيقة التي نعيها جيداً منذ صغرنا، وهي أن نظرية وكيل المدرسة مطبقة منذ أزمان على مستوياتٍ أوسع، وفي الكثير من قضيا مجتمعنا. فمحافظٌ ما، يأمر بالقبض على صحفي لأنه كتب عن سوء الخدمات في محافظته. وإدارة ما توقف مفكراً، وأخرى تحبس مطالباً بأنصاف حقوق، وإدارة أخرى تحجب مجموعة مرصد حقوق الإنسان في الفيس بوك وتصادر حق مشاهدته، ومدوّن يتعرض للإيقاف لشهور، صحفي آخر يتم القبض عليه ويطلب منه الاستتابة ويسحب منه جواز السفر، نساء مطالبات بحقوق المرأة يتعرضن للتهديد، أزواج يتم تطليقهم غيابياً، كتّاب تُكسر أقلامهم وتصادر دفاترهم، كل هذه القضايا تحدث والعالم يشاهد، الكل يتحدث عنّا هنا، الأسئلة تنهال علينا بشكلٍ دائم، أخبارنا في كل مكان يا وكيل المدرسة. لم تعد نظريتك فاعلة الآن لم يعد الأمر سهلاً كما كان، العالم أجمع يعرف ويشاهد ما تفعل، دقة نظريتك في سرّيتها، وإذا فقدت السرية فهي فاشلة، لقد تجاوز الأمر أسوارك يا وكيل المدرسة، الكل يعرف أنّك الشخص الملثم بدون عقال، الشخص الذي يسير في أروقة المدرسة المستأجرة المتجوّل كطالبٍ بليدٍ اجتماعياً لا يجيد فنّ تكوين الأصدقاء.
