About Me
ما الحدُّ المعقول من النرجسية؛ الذي يمكن أن يصل إليه من يهمّ بالكتابة عن نفسة، دون أن يصل إلى درجة من الغرور يصبح معها مملاً؛ ويشعر القارئ معه بامتعاضٍ وتشنّجٍ في الوجه مع رغبةٍ في فركِ جبهتهِ وحواجبه بفرشاة أسنان؟ بغضِّ النظرِ عن ذلك، مالذي سيقوله من يشعر أنه لم يكمل السنَّ القانونيّة لكتابةِ سيرة ذاتية بعد؟!
حسنٌ الآن، قبل التفكير بأي إجابة، إليكم المناقضة:
بصراحة، وعلى الرّغم مما سبق، إلاّ أني متحمّسٌ للكتابةِ الآن أكثر من أيّ وقتٍ مضى، وأدركُ جيّداً في هذه اللحظة أنني سأتحدث عن أشياء لم أفكر بها بعد. إذن: قرار إكمال القراءة عائدٌ لكم الآن، تماماً كما هو قرار الكتابة عائدٌ إليّ، وعلى هذا جرى التوقيع.
المواطن أدناه.
فيما يتعلّق بمشروع إظهاري للعالم ومن ثم التبعات الأخرى المبنية على ذلك –طفولتي، ذكرياتي، دراستي، حياتي إلى الآن- كلّ تلك الأحداث تمّت بمدينة الرياض. فقد بدأتُ أمارس حقوقي الدستوريّة، حق التنفس ذاتياً والحصول على نصيبي من الأكسجين والسعي نحو السعادة (The Pursuit Of Happiness) كان ذلك في يوم الخميس، الخامس من مارس 1981م ، ويُكتب بخطٍ صغير في الركن الأيسر من أعلى صفحة التقويم: برج الحوت.
نشأتُ كأي كائنٍ سعودي يدرسُ، يأكل، يلعبُ في الشارعِ حافياً، ينتظرُ بائع الآيسكريم، ويلقي بالحصى والبيض على أيّ وافدٍ سيّء الحظ يدخل الحارة بدافع اختصار الطريق أو حتى بدافع صلة الرحم.
إلى أن تعلمتُ لبسَ الحذاء جيداً، و(اكتشفتُ) أنني لا أجيدُ فنَّ ترتيبِ الجُمل والكلام، فخبّأتُ صوتي إلاّ من كلمات تُقال في مواقف محددة خلال اليوم. كان ذلك اكتشافي الأول، ومن هذا أستشف وأنا أكتب الآن أنها الفترة التي بدأت أعرف بها فوائد استخدام الرأس لأغراض أخرى غير صناعة الشعر وحمل الطاقية واستقبال “القراميع”.
استمرّت حياتي بأحداثٍ مختلفة في ظلّ ما تفرضهُ قوانين البشر واللاهوت والطبيعة. إلى أن (اكتشفت) حصولي على بكالوريوس ترجمة- لغة عبرية، جامعة الملك سعود، وحالياً أدرس ماجستير نظم معلومات بجامعة ديبول في شيكاگو.
يبدو أنني استعجلت بذكر الاكتشاف السابق، أعني التخرّج وكأنه اكتشافي الثاني مباشرة بعد اكتشاف المخ! ثمة أخرى كثيرة حدثت قبل ذلك بالتأكيد، وأهمها كان بعد تخرجي من الثانوية، إذ لم يتم قبولي بالجامعة إلا بعد سنتين، وخلالها حدث الأمر.
فقد (اكتشفتُ) بأحدِ الصباحات المتشابهة -لولا أنه صباحٌ محمّل بهذا الاكتشاف- أنه وببساطة متناهيةٍ ثمة حياةِ بداخل اللغة! تفاجأتُ بأن ذاكرتي مليئة بمقدماتٍ تجعل من وجودي في هذا العالم شيئاً مُقرراً وكان يجب عليّ أن أدرك ذلك مبكراً، وأن كل ما يجري وما سيجري ينبئ بذلك، إلاّ أنني عرفت الأمر ببطء وبلادة، كـ بلادةِ طالبٍ أبْلَه للتوّ سمع بطريقة إنجاز الأمر إياه؛ فأخذ يطبقها ويمارسها في آخر الفصل، وفي غمرةِ نشوتهِ أدرك أن المعلم ينظر إليه، وأن جميع الطلاب يشاهدونه! –لكنه لم يدرك أنه غبي جداً، غبي وبشكلٍ فاضح ومتأزّم، غبي إذ نسي أنه يمارسُ العادة (السريّة)!
أشعر أنني بالغت بالاستطراد السابق، وأن الوصف تشعب كثيراً ولم أتمكن حتّى أنا من لملمته، على أيّ حال لنعد إلى الموضوع، أقول المهم أنني اكتشفت عالم اللغة، العالم الآخر: الكتاب، ووجدتُ نفسي فجأة قارئاً نهماً، قارئاً مستعجلاً، قارئاً يشعر بأنه تأخر كثيراً، ويجب أن يصل.
ذات مساء، بعد بضع سنوات، شعرتُ بالامتلاء، بشكلٍ مفاجئ، أعني كان مفاجئاً بالتحديد في ذلك المساء! إذ وجدتُ بحوزتي 3 كيلو قُدرة على الكتابة! بالإضافة إلى 7 كيلو حكايات! فكتبت القصّة القصيرة. الحقيقة كتبت الكثير منها. والمزعج في الأمر أنني أصبحتُ أستعرض تفاصيل حياتي بشكلٍ معقدٍ ومُتعب، الذاكرة المحتشدة بالمواقف أخذت تتشكل على هيئة أسطر، كلّ مشهد في سطر، وأنا كلمة تأكيد، أؤكد جبروت اللغة كلّ لحظة، بسذاجة نفس الطالب أعلاه، الذي أخذ يبرر لزملائه فيما بعد، بأن الأستاذ لم يكن ليعلم لولا اهتزاز الكرسي، وصرير الطاولة!
لا أخفيكم أنني كثيراً ما أمرّ بلحظات أفكر فيها بالخروج من هذه المسرحيّة المعقّدة، والعودة مجدداً إلى الحياة على طبيعتها وغبائها، إلى حيثُ لا تتجاوز اللغة أكثر من جوهر وظيفتها، إلى حيثُ تستمرّ الفكرةُ الواحدة كائناً مستقرّاً، نقولها لتصل كما هي، لا أكثر ولا أقل، بلا عقدة موت الكاتب، وبلا لعنات النوايا والتورية. لكني فشلت بجميع المحاولات، مررتُ بتفاصيل الفشل البليغ والفصيح، الأمر أشبه مايكون بالتدخين، مجرّد التفكير بتركه يحرّض سؤالاً واحداً وهو كفيلٌ بمسح الفكرة كليّاً:
- إذا تركتُ التدخين؛ ماذا أفعل؟
أحتاج إلى بديل، إلى شيء شبيه تماماً بالتدخين! وكذا الأمر مع صفعات هذه الحياة الغريبة والمعقّدة، تحتاج إلى تبرير، ولابد من لغة، المنطقٍ الذي نخدع به أنفسنا لنتمكن من النوم ليلاً، لنستيقظ في اليوم التالي أمام صفعات جديدة، ومنطقٍ جديد بلغةٍ مختلفةٍ وإسقاطات ساذجة!
بدأتُ أقتنع أن الحقيقة التقريرية والمباشرة، الحقيقة التي لا يمكن أن تأتي كجملةٍ إنشائية مملة، الحقيقة الصاعقة والمُقنعة جداً، التي كانت تقابلني مع كلّ محاولةٍ للعودة إلى حيثُ بالإمكان أن أعيش بعيداً عن هذا التجمهر القاتل من الكلمات، الحقيقة هي أن الحياة نفسها لم تنجح في محاولات خروجها من اللغة!.
كان الأمر بالنسبة لي مأزقاً حرجاً، لا تنفع معه نهاية مجّانية ولا شخصيّة روائيّة طارئة تنقذ الموقف وترحل. لذا مادمتُ سأمارس الكذب والكتابة لا محالة، فقد قررتُ إيجاد مساحةٍ أكبر لممارسة ذلك، قررتُ الابتعاد عن السقف، عن الجدران والدوائر..
الخروج والسير على الرصيف..
حيث الحياة عارية، حيث كلّ الأشياء تحدث، حيث الكثير من البؤس والبؤساء، هم خبزنا نقتاتهم لنمارس الكتابة.
خالد الصامطي
March 06, 2007

